قراءة في كِتاب : صنعة الكاتب .

 

كتاب صنعة الكاتب
قراءة في كِتاب : صنعة الكاتب .

عنوان الكِتاب : صَنْعَةُ الكاتب ، ما يبقى من الكلمات .
المؤلف : فهد صالح محمد المحمود .
عدد الصفحات : 222 صفحة .
الناشر : العبيكان للنشر .

الحمد لله ، وبعد :
كِتاب :صَنعة الكاتب ، ما يبقى من الكلمات ، لـ د فهد بن صالح الحمود لونٌ من الكُتب جديرٌ بالاهتمام والإثراء ، فمعلومٌ أنَّ أغلب ما تحويه المكتبة من كُتبٍ مَعنيّة بتنمية مهارة الكُتَّاب إنما أصله بغير العربية ، بعضهُ عُرِّب ، وأكثره لا زال مُحتبسًا عنا بحجاب اللُغة ، الكِتاب الذي نحن بصدده عربيّ الروح واللسان والمعاني والمُعالجة .

قبل الحديث عن الكِتاب ، هُنا تعريفٌ مُختصر بالمؤلف ، فهو حاصلٌ على الدكتوراة في الفقه والمعاملات المالية ، كما أنه أستاذ جامعي في كلية الشريعة في جامعة القصيم ، وعضوٌ في الجمعية الفقهية السعودية ، له اهتمامات ومُشاركات ثقافية ، أشهرُ كُتبه : قراءة القراءة ، وفيه قال الكلمة المشهورة : ” إنَّ الذكاء الذي لا يلازمه اطلاع يذهب هَباء ! ” .

استفتحَ المؤلِف كتابه بفكرة أن الكتابة موهبةٌ يولد المرء وهي مغروسة فيه تنتظر سقيًا لتُنبت ، وأنها رزقٌ يودِعهُ الله فيمن شاء من الناس ، فيقول : ” التصنيف رزقٌ من الله ، ابتداءً بالفكرة وانتهاءً بآخر حرفٍ يخطُّهُ ، فليتطلب رزق الله وتوفيقه ” ، وعن كيفية اختبار وجود هذه البذرة واستثارتها يقول : ” .. هذه الموهبة لا تظهر إلا عبر سياقٍ طويل ، وسنوات من الانضباط والمُثابرة ، فتظهر حينئذٍ بعد جُهدٍ وزمنٍ طويلودون الإصرار فالموهبة وحدها لا تصنع شيئًا ، فالكتابة عملية تُحَفِّزها حالة ذهنية مُعينة ، تلمُّ بالكاتب وتدفعه للإمساك بالقلم ، ولذا تجد من واتتهُ الموهبةُ متأخرًا وقد قضى شطرًا من عُمره ” .
إذن ، فالكتابة موهبة مُخبّئة ، وقوة تنتظر استثارة ، وتحريكها والكشف عنها يتطلب ما يتطلبهُ اكتشاف المرء مواطن قوته من طرائق ووسائل ، فمن ذلك ما ذكره المؤلف آنفًا ، وليكتمِلَ النفع فهنا استطرادٌ ببعض الوسائل المُجرَّبة في اكتشاف المرء مواطن قوته ، وكان نفعها واسعًا :
1 . الاستشارة ؛ بسؤال من لهم معرفة بشخصك ؛ من الأقران والأصحاب والأساتذة والطَلَبة والرؤساء والمرؤوسين وغيرهم ممن يُمكن أن يقدم رأيًا مستقلًا ، وكلما تنوّعت ألوان ومستويات المُستشارين كان ذلك أنفع ، وحين يتواطئون على قول واحد أو يتقاطعون في منطقة واحدة كان ذلك مؤشرًا على صحة ودقة ما يذهبون إليه .
2 . الاشتراك في برنامج معنيّ باكتشاف النفس ، وعادة ما تحوي هذه البرامج عدة أدوات دافعة ومُعينة ومُسرِّعة ؛ ليكتشف المرء من خلالها نفسه ، ومن أنفع المُنتجات المعرفية التي دلَّني عليها أحد هذه البرامج ، كتاب ( ما هي ميزتك الوحيدة ؟ ) لـ جاك أولشر ، فقد حوى الكتاب أسئلة عميقة تتطلب إجابات عميقة يسبقها تأمل عميق .
3 . التعرف على نمطك الشخصي ، وهذا نشاطٌ آخر يتطلب مساعدة خارجية ، ومما يُعين عليه أن المهتمين به كُثر ومقاييسهُ منوّعة ، من أدقها وأنفعها : مقياس بيركمان ، ومقياس اكتشف نقاط قوتك ( strengths finder ) ، ومنها هو مجاني كمقياس جاسم الهارون ( اختبار تحديد الشخصية ) إلا أن دقته دون المقاييس الأخرى المدفوعة .
4 . التأمل ، والذي يحقق وعيًا داخليًا وعوائد معنوية وذهنيّة كثيرًا ما تُعين المرء على اتخاذ القرارات الصحيحة .. التأمل طريقٌ مُعبَّد نحو الإدراك ، وما أُدرِكت الدقائق والحقائق بمثل التأمل الرويّ .
الوسائل الآنفة متكاملة ؛ أي أنه لا يُكتفى بأحدها عن البقية ، وحشدها بهذه الصورة ليس ترفًا ، فمعرفة المرء نفسه وما يُميّزه ونقاط قوته وما يُمكن أن يبرع فيه ؛ تزيد المرء قناعة بتفرّده فتحفّزه على تبوئ مكانه الذي يليق به ، والحديث عن مكاسب هذا الأمر تحديدًا يطول ، وأرجو أن يتيسر إفراد الموضوع بمقالة مُستقلة قريبًا .
وبما أننا بصدد العمل الكتابي ، فيُضاف إليها :
5 . تكرار ممارسة العمل الكتابيّ ، فموهبة الكتابة شيءٌ مغروس في الكاتب ، وكثرة مُمارستها وسيلة مناسب لاستثارتها والكشف عن وجودها ، هذه التجربة والمُمارسة العملية مهمة في تحديد ما إذا كان هذا ملعبُك الذي ستبرع فيه ، أم لا يعدو أن يكون نشاطٌ هامشي تقضي فيه فضلة وقتك .
ومما يجدر ذِكره هنا أن الكتابة المميزة لها علاقة طردية بالذكاء اللُغوي ، فمَن كان هذا النوع من الذكاء عنده عالٍ فهو مستعدٌ للكتابة – غالبًا – .

جاء مقصد هذا الكِتاب لرسم خارطة طريقٍ لصناعة الكاتب لا الخروج بمُنتَجٍ كتابيّ ، أي أنه ركَّز على تنمية الكاتب واستثارته ولفتُ نظرهِ إلى ما قد يتأخر في الانتباه له ، اشتملَ حديثهُ : الأخلاقيات ، والمهارات ، والأدوات ، والأهداف ، والدوافع ، والمؤثرات .

من اللفتات التي تنمُّ عن نوعية تجربة المؤلِف حين تحدَّثَ عن اللذة الفنيّة ، فقال : ” … هذا الشعور مُعقَّد وذو مقومات ودرجات ، وقد يصل الكاتب إلى حدِّ أن ينفذ في شعور قارئه أنه ما كَتبَ أصالة إلا من أجله ، وأنَّ القارئ يصغي لنفسه لا إلى الكاتب ، أو على تعبير أحد القُرَّاء : إنه يأخذك إلى الأعلى ويمنحك جناحين .. حين يظهر هذا الأثر يدل على أن العمل الفني قد اكتمل ، وأن الكاتب قد نجح في توصيل ما لديه ، وتركَ انطباعًا بأنهُ منحَ كل ما يُمكن منحهُ ” .

مِن أرقى اللحظات التي تألَّق فيها المؤلِف حين تحدَّثَ عن أثر الانفعال الشعوري في القارئ ، حيث قال : ” الكاتب المُبدِع سريع التلقِّي للمعاني التي يصوّرها له إحساسهُ ، فيستطيع تطويع اللفظ للمعنى الذي يضطرم في نفسه ، فيحكي اللفظ والمعنى بإحساسه وشعوره هو ، دون التصريح الذي يُعري المعاني ، وإنما ينزع الغموض والإبهام القريب الذي يدع لشعور القارئ أن ينطلق ، فالبعض ينجح في الألفاظ والمعاني ، ويخفق في نقل شعوره على التمام ، قال قبَّاني : الكِتابة تحتاج إلى الامتلاء بالحدث ، تحتاج إلى التغلغل في جِلدهِ وفي عظْمهِ ” .
وحول تباين أثر النص الواحد على القارئ يقول : ” الأولى للكاتب أن يُنهي كِتابه في وقتٍ تكون فيه مشاعره في مستوى واحد ، فلربما ترك الكتابة بعد ما شق طريقه فيها ، فإن أراد الإكمال على نسق ما مضى فقد يقع انحسار الشعور الذي صاحبَه أولًا ، وحينئذٍ يفقد الوقود الكافي الذي كان يدفعهُ لمعاودة الكتابة مرة ثانية ” ، ثم أورد بعض تجارب الكُتَّاب في هذا الأمر ، منها تجربة محمد الماغوط حين قال عن إحدى كتاباته : ” حاولتُ إكمالها ، فلم أستطع ؛ فمِن الصعب استعادة الانفعالات القديمة ” ، وتجربة نجيب محفوظ حين قال : ” سبعة موضوعات شبه مكتملة ، خطوطها واضحة وشخصياتها متبلورة ، ولكنني تركتها ، لقد وجدتُ أمامي الموضوع والمادة ، ولكني افتقدتُ الانفعال لكتابتها ، فتركتها !

ولأن المُنتج الكتابي يقوم على لفظٍ ومعنى ، فقد أفرد لكلٍ منهما فصلًا مستقلًا غنيًا بالأفكار التي يصعب إيجادها في مكانٍ واحد .. تحدَّث عن الكُتَّاب الذين يجنحون إلى كدِّ قرائحهم للخروج بعملٍ كتابيّ غامض الألفاظ ، ضامر المعنى ، فيقول : ” حين يكون فِهم الكاتِب قاصرًا فقد يلبسهُ بستارٍ من التراكيب الغريبة والأساليب الملتوية التي تُغطي قصور فهمه وعدم كمال علمه ، فهو إما ضعيف في المادة اللغوية فيعجز عن الإفضاء بما في نفسه ، وإما جاهل لم يستو له المعنى الذي يريده كل الاستواء ، وإما داهية مُحتال يريد تغطية المعنى التافه ، أو مسوق لفكرة ساذجة ، وكلاهما يريد من خلال ذلك أن يُنفقه على الناس ويزخرفهُ لهم ، فهو يكسوه أسلوبًا غامضًا ليكدهم ويجهدهم في سبيله ، حتى إذا ظفروا به بعد ذلك خُيّل إليهم أنهم قد ظفروا بمعنى غريب أو خاطر بديع “، ثم يقول ” تجد من يظن أن الغموض في الرؤية والغموض في طريقة العرض هما معيار الكتابة ودليلٌ على علو كاتبها ، وأنَّ مِن شرط ثقافة الكاتب التعتيم المقصود ” ، وختم حديثه هذا بـ ” إذا بالَغ في الغموض فلن يجد من يقرؤه ” ، والواقع يُصِّدق ما ختم به .

مِن الفصول المميزة حديث المؤلف عن الأسلوب ، ومسألة الأسلوب مسألة متقدمة في صناعة الكاتب ، وقد قدَّم المؤلِف تعريفه الخاص حول هذا الأمر ، فقال : ” والقدر الذي يفهم من الأسلوب في نظري ، هو طريقة الكاتب في اختيار مفردات اللغة وصياغتها وترتيبها ، والنبض العام للكلام وفعاليته ، والنكهة الخاصة به ، فالطُهاة يتفقون في مكونات أطعمتهم ، ومع هذا يختلفون في مذاقها ” .

فصل قراءة وقراءة كان غنيًا بطريقة مختلفة ، تحدَّث فيه عما سمَّاه : المفهوم الجديد للقراءة ، فقال في تعريف هذا المفهوم : “ .. فهي تعني الاكتشاف ، ومُنتهى النظر والقراءة ، وإنتاج معرفة جديدة من رحم المقروء ، ويتم هذا عبر تطبيق أدوات القراءة الصحيحة المُتعددة ” ، ويقع هذا الفصل في حوالي ثمان صفحات ، ليتها تُنشر مستقلة لما فيها من النفع لشريحة أوسع من الناس .

ختمَ الكتاب بفصل رسالة الكاتب الأول للكُتَّاب ، وضع في هذا الفصل رسالة عبدالحميد الكاتب إلى الكُتَّاب ، والتي اشتملت تذكيرًا ووصايا هي وليدة التجربة العريضة .

الكِتاب ثري بالتجربة والنقولات والتلميحات واللطائف ، ومَن يجد في نفسه وعودية كاتب فهذا الكتاب نافع له ، فقد حلَّلَ نشأة صِنَاعة الكُتَّاب ثم قدَّم وصفته البديعة هذه والموسومة بـ صنعة الكاتب .


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s